محمد هادي معرفة

23

التمهيد في علوم القرآن

أيها اخفّ على الأسماع وأرفق للطباع ، وفي موطن الشدة أيّها أشدّ اطّلاعا على الأفئدة بتلك النار الموقدة ، وعلى الجملة أيّها أوفى بحاجات البيان وأبقى بطراوته على الزمان . والأمر في هذا الاختيار عسير غير يسير ، لأنّ جمال الاختيار كثير الشعب ، مختلف الألوان في صور المفردات والتراكيب ، والناس ليسوا سواء في استعراض هذه الألوان ، فضلا عن الموازنة بينها ، فضلا عن حسن الاختيار فيها . فربّ رجلين يهتدي أحدهما إلى ما غفل عنه صاحبه ، ويغفل كل منهما عمّا هدى إليه الآخر ، وربّ وجه واحد يفوتك هاهنا يعدل وجهين تحصلهما هناك ، أو بالعكس . فالجديد في لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شؤون القول يتخيّر له أشرف المواد ، وأمسّها رحما بالمراد ، وأجمعها للشوارد ، وأقبلها للامتزاج . ويضع كل مثقال ذرّة في موضعها الذي هو أحقّ بها وهي أحقّ به ، بحيث لا يجد المعنى في لفظة إلّا مرآته الناصعة وصورته الكاملة . ولا يجد اللفظ في معناه إلّا وطنه الأمين وقراره المكين ، لا يوما أو بعض يوم ، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور . فلا المكان يريد بساكنه بدلا ، ولا الساكن يبغي عن منزله حولا وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان « 1 »

--> ( 1 ) النبأ العظيم : ص 84 .